ديمة الغنيم
بين الأرض واللغة: رحلة فنية لاستكشاف الهوية والذاكرة
ديمة الغنيم فنانة كويتية تستكشف العلاقة بين اللغة والأرض والحركة في السياقات المعاصرة. تحمل شهادة بكالوريوس في العمارة وماجستير في الفنون الجميلة من مدرسة روسكين للفنون
ديمة وابنتها هيا بالقرب من قناة ري في الأحساء، يناير 2025 (تصوير: هدى عبدالمغني)
تعكس أعمالك ارتباطًا قويًا بجذورك. كيف أثرت نشأتك في الكويت على ممارساتك واهتماماتك الفنية؟
لقد نشأت في مكتبة والدي الذي درس الجغرافيا في جامعة القاهرة، وهذا ما عزز علاقتي باللغة العربية كأساس للفهم والتعلم. كما نشأتُ بين البر والبحر. علمنا والدي كيف نفلق المحار ونصيد السمك، وعلمنا الفرق بين الحمّيض والحنظل. هذه الطفولة كوّنت لدي رؤية تجريبية حساسة للبيئة واللغة. بعد دراستي الجامعية في كلية العمارة أخذنا والدي برحلتين بالسيارة في أرجاء شبه الجزيرة العربية و أخذ يشرح لي عن تضاريس الأرض وتحولاتها وأنا أكتب وأصوّر. إدراك الأرض مع عائلتي داخل سيارة تمشي بسرعة 120 كيلومتر بالساعة، وإدراك الأرض من خلال عيون وتاريخ وذاكرة البشر كان الموضوع الذي غالبًا ما يشغل فكري وحواسي. لا مفر في صفة الأرض من أن تصف نفسك. ولا نستطيع فهم المدينة التي نسكنها بمعزل عن محيط البر والبحر الذي يلفنا
تلعب أعمال وذكريات والدك لحياة المنطقة قبل وبعد اكتشاف النفط دورًا مهمًا في عملك. كيف تشكل هذه الروايات الشخصية والعائلية رؤيتك ومشاريعك الفنية؟
كانت قصص والدي عن المدينة القديمة وحرصه على أن نزور ما تبقى منها مدخلًا لي لأن أبحث عنها وعما حدث في الذاكرة الجمعية، لذا اتجه اهتمامي للمسرح كونه أداء حي يتفاعل بشكل مباشر مع الجمهور، فعندما أشاهد تسجيلًا لمسرحية كويتية قديمة أقارن زمن العرض بالتحولات التاريخية في البلد، كما ألاحظ متى يصفق الجمهور وعلام يضحك ومتى. أصبحت لدي فكرة أوضح وأصفى عن المدينة القديمة عندما أقامت المعمارية إيفانجليا علي رحلات تعرفنا فيها على المدينة القديمة وعلاقتها بالمدينة الحديثة، إيفا كانت تعمل في مجال حماية المباني التاريخية في بلدية الكويت . أذكر أنني ذهبت ثلاث مرات لذات الرحلة كأني أريد أن أتشربها
لهذا فإن أول معرض فني لي "طابوق" كان عملًا مصورًا يتأمل في تفاصيل مباني الستينات، وحصل أن راسلني بعدها المخرج المسرحي سليمان البسام لكي أعمل معه في ترجمة سياقية لعمله "دار الفلك" والذي يحكي عن مستقبل مظلم يجد فيه مخرج مكبل بقوانين الرقابة بقايا شريط لمسرحية من ستينات القرن الماضي ويحاول استعادتها وفقًا لقوانين زمنه. مع أني لم أعمل بشكل كامل عليه فقد ساعدت في ترجمة مشهدين من أصل ثلاثة، إلا أنها كانت نافذة لفهم المسرح بشكل مباشر وكيف يقوم المخرج المسرحي بتحويل وتركيب القصة صوتيًا وحركيًا. أثار ذلك فيّ حسًا جديدًا بأبعاد اللغة المرتبطة بالأداء الشفاهي مثل النبرة والإيماء والتوقيت
حولي 8، من معرض طابوق، 2009.
كيف تتفاعل عناصر الطبيعة واللغة في ممارستك الفنية؟
أهوى البحث في المعاجم، وأكثرها تأثيرًا على فهمي للمعاني هو لسان العرب لابن منظور. معروف عن هذا المعجم أنه معجم مقفّى؛ أي مرتب هجائيًا حسب الحرف الأخير من جذر الكلمة. لكن أهم من هذه الخاصية بالنسبة لي هو أن ابن منظور ركز على لغة أهل شبه الجزيرة العربية في تجميعه للمعاني مما أضاف بعدًا جغرافيا يعكس علاقة مباشرة بين الإنسان ومحيطه البيئي. على سبيل المثال، كلمة مسافة التي تستخدم لقياس الأبعاد تتبع جذر سوف وهي من أصل الشم لأن المسافر عن طريق البر يستدل على وجهته من خلال شم التراب. فنرى بذلك حتى مفهوم البعد الذي يعتبر رقمي ومجرد له أصل محسوس ملموس يرتبط بجغرافية المكان
وقد استمرت هذه العلاقة بين اللغة والأرض رغم التحولات السياسية والاجتماعية، إلا أن هناك عاملين أساسيين ساهما في كسر التطور الطبيعي للغة وهما تخطيط المدن الحديثة وتوطين البادية وكلاهما ناتج عن تدخل القوى الاستعمارية واكتشاف النفط في المنطقة
التخطيط الحضري هو نظام حكم مساحي يعيد تشكيل قيمة الأراضي ويعيد ترتيب مقامات الناس في ذلك التشكيل الجديد، كما أن التخطيط أبعد الناس عن البحر وحوله من مصدر رزق إلى فكرة شاعرية. أما التوطين أو التهجير القسري للبادية فقد أدى إلى تلاشي ثقافة الترحال. ولهذا فإن أعمالي ونشاطاتي كانت دائمًا استجابة لهذين الموضوعين. أبحث في الأرض عن كمأة أنظر بها المستقبل، وأبحث في اللغة عن مواطن بعثها. أشتغل بالارتجال الكتابي، كما أعمل بصناعة الكتاب والطباعة والرسم والنحت والتعبير الأدائي. من الأفكار والمشاعر ما يصبح نصًا ومنها ما يصبح رسمًا أو مجسمًا
كيف يمكننا الحفاظ على التراث اللغوي في ظل التغير البيئي والتحضر والتغير التكنولوجي, و ما الدور التي تلعبه محاولة المحافظة؟
الحفظ وظيفة الكتاب، أما المجتمع فوظيفته الاستمرار باستعمال اللغة، ومحاولة فهم هذه اللغة في سياقها الحضري الحديث وقياسها بالمعاني القديمة هي خطوة لفهم المجتمع في ظل هذه التغيرات. استعمال اللغة يتطلب من المجتمعات العربية تقبل اللهجة كجزء مساهم في تطور الفصحى، كما يتطلب تقبل تطور اللهجة أيضًا. توثيق الفصحى وأساسياتها وتسجيل اللهجة واللكنة في زمن معين مهم، ولكن لا يقل أهمية عن السماح للغة ولهجاتها بأن تتشكل وتتطور
في أطروحتك للماجستير في الفنون الجميلة، ذكرت أن "عدم قدرتك على التقاط الحاضر يحثك على بناء سجل للقاءات مقبلة". هل يمكنك التوسع في هذه الفكرة؟
إن التغير في هذه المنطقة أسرع من مبادرات التوثيق والحماية، والحاضر أصبح مجموعة من الصور العابرة التي تتحول وتتبدل كفيلم سينمائي. لذلك بتُّ أرى التوثيق فعلًا تخيليًا، أو مساحة لتركيب علاقة جديدة مع الأرض حرةً من شبكات المدينة الحديثة وحرةً أيضًا من الماضي الذي يظنه البعض جميلًا. تقترح عالمة النبات روبن وول كيميرر في كتابها "Braiding Sweetgrass" أننا نستطيع أن نبني مستقبلًا أفضل للأرض إذا كانت قصة الخلق وأساطير نشأة الأرض التي نتعلمها ونحن صغارًا من آبائنا وأجدادنا تعكس كرمًا متبادلًا بين الإنسان والأرض. لهذا فأنا أحاول ابتعاث هذا المستقبل من قصص السماء العربية وجبال شبه الجزيرة العربية وأساطير بلاد الرافدين
اعتدنا أن نتصور المستقبل، أي أن نتخيله بصريًا. لكن قد يكون المستقبل صوتًا جنينيًا في أرحام الصَّدَف، أو خشونة بين العظام أو سحابة من الجراد كما تخيلها الأديب زكريا تامر. ولهذا فأنا أحب الارتجال في كل وسيلة فنية أستخدمها لأنه مَخاض الصُّدَف وفرص الالتقاء والتماس
رسم بالرصاص على ورق مجدول بعنوان "تعويذة للأرض" معروض لديمة في معرض درجة الماجستير في الفنون بمدرسة روسكين للفنون في يونيو 2024
لديك اهتمام كبير بالتعامل مع الأطفال وعناصر الطبيعة. كيف تؤثر هذه التفاعلات على ممارساتك الفنية ونتائجها؟
الارتجال هو مسايرة سيل الفكر؛ تحتاج أن تكون أذنك حساسة لنغمة السيل لكي تستطيع الارتجال، والعمل مع الأطفال هو أفضل تمرين لأذنك. أن تسمع أسئلة الطفل هو أن تنعش مفاجآت الطفولة التي لا نريدها أن تخبت فينا. أن تسمع أسئلة الطفل هو أيضًا حث له أن يستمر في صناعة الأسئلة. فقد جبلنا التعليم النظامي على البحث عن الإجابة الصحيحة، لكن كما شرح جل دولوز في كتابه عن برجسون أن الإجابة قرينة السؤال، أي لا يصعب إيجاد جواب لسؤال ما أن يُطرح. لذا يجدر بنا أن نعلم الطفل كيف يسأل مثلما نعلمه كيف يجد الإجابة
ما الذي ألهمك للمشاركة في تأسيس "نكتب" والتركيز على إنتاج المجلات مع الأطفال؟ ما الذي تأملين تحقيقه من خلال هذا البرنامج؟
شخصية الحكواتي كانت دائمًا في خيالي، وشخصية شهرزاد كامرأة تقيها الحكاية شر القتل جعلني أفكر بالقصة كدرع يحمي الإنسان من صروف الدهر. بدأتُ بارتجال قصص ما قبل النوم لأبناء إخوتي ثم عملت مع ابن أختي "عبدالله" وأحد الأقرباء الصغار، أكثرهم صناعةً للأسئلة، في كتابة قصة مشتركة. هذه التجربة، وعدد من التجارب البسيطة في كتابة ورسم القصص للأطفال تبلورت في برنامج نكتب الذي صممته مع لولوة الكندري وهي فرصة أتاحها لنا مركز البروميناد الثقافي رغبةً منهم في تأسيس برنامج للكتابة الإبداعية باللغة العربية. وكانت زميلتي ليان الغصين هي من وصل بيني وبين المركز حيث كانت تقيم معهم دورات للكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزية. وجدير بالذكر أن هذا المركز هو جزء من وقف عائلة العثمان لدعم الثقافة والفنون في الكويت
نعمل في برنامج "نكتب" على التقريب بين الفصحى واللهجة، وعلى التعريف بوسائل التعبير الفنية التي تعتمد بشكل أساسي على اللغة مثل السينما والمسرح والموسيقى. نحن نعتمد كثيرًا على التجربة والتأمل في أدوات الكتابة، لهذا فإننا نصنع الورق ونتعرف على أقلام الخط العربي. كما نحتفي بالخطأ فلا نشطبه، بل نضع تحته خطًا ونتفكر في المعاني الجديدة التي كونها هذا الخطأ. نستجيب أيضًا لما سبق وذكرت عن ارتباط اللغة بالبيئة فنستضيف البحر يومًا أو بعض الأزهار البرية، ونكتب معًا عن هذه العناصر. إن نون الجماعة دائمًا حاضرة في هذا البرنامج. معروف عن الكتابة أنها فعلٌ فردي، إلا أن الكاتب لا يستغني عن محيطه والشخصيات التي يقابلها في حياته
صفحة من مجلة نكتب لخريف 2022